حديث عن التجربة النضالية العمالية في السعودية (1)

2013-2-23 | د. سلطان الجميري حديث عن التجربة النضالية العمالية في السعودية (1)

(1)

هل ترون أن التجربة النضالية العمالية في الخمسينيات والستينيات في السعودية، بشخصياتها، أخذت ما تستحق من الدراسة والتدوين؟

كان الموت يتخطف الذين أشعلوا في الظلام شعلا.. وحفروا في الجدران أخاديد .. كان يختطفهم ويثب على أرواحهم .. ويرحلون دون ضجيج! هل تشعرون بهذا.

كان من يريد أن يلمزهم يقول تجارب فاشلة! ويعود للحديث عن الشيوعية .. كما لو كان ذلك الحارس الأبله في سجن العبيد الذي كان يقول للشيعي يا شيوعي.

كأني بأحدهم ينظر إلينا وهو يودعنا العام.. ينظر ويقول: "الذين لا يأتون.. لا يقترفون غير خطيئة الغياب.. أما نحن فنقترف خطيئة الحياة دونهم".

هل تصدقون .. حتى محرك البحث "قوقل" يضن بهم .. لا يقدم شيئا .. تبحث باسم أحدهم .. فيأتيك اسم مغني مشابه .. وآخر شيخ محصور في مسجده..

وإذا حاولت أكثر .. وفهم "قوقل" أنك ترجوه أن يقدم شيئا ..قدم لك  بعضا من الرفاق ذكروهم حين رحلوا عن الحياة .. يقدمون التعازي .. تعزية فقط.

السيد على العوامي قبل سنتين .. ولاضطراره المكوث مع ابنته في أمريكا.. قرر أن يكتب شيئا عن تاريخنا.. عن ذاكرة الوطن .. وأبنائه.

 كتب عنهم كثيرا ،، ودون شيئا من ذكريات الماضي في كتب متفرقة..

من أين بدأت الحكاية؟ .. هناك من براز الشيطان "النفط"..ولد الوطنيون الذين رأوا من يستخدمهم كالعبيد دون حقوق .. لأنه قادم من وراء البحار.

أنا لا أعرفهم أكثر منكم..لكن لدي رغبة بالتذكير بهم ..حين كانوا يصرخون في وجه من يريد ترويضهم.. واستعمارهم، لم أخرج للحياة بعد،،

كان ظلم الأمريكي منقب النفط .. وصمت صاحب الحق .. دافع للنضال ،، من هناك بدأ الحلم .. وكسر الحلم .. وأريد للتأريخ أن يندثر ولا يذكره أحد ،،

سأتحدث عن بعض من حفروا أسماءهم في ذاكرة الوطن .. وإرادة ما .. قررت أن تطوى ذكرهم بهدوء..

كان الأمريكان الذين قدموا يحلبون للنفط يحتقرون العمال ويهينونهم..كانوا يتعاملون معهم معاملة الأسياد للعبيد ..كانوا فوق ذلك يؤخرون مرتباتهم.

كانت رواتب العمال تعادل 30 سنت أمريكي، تصرف بالريالات وتسك في مدينة فيلادلفيا لصالح السعودية ،، وكان العمال يسكنون في "بركسات" بعيدا عن مدنهم.

كان العمال يعملون 6 أيام في الأسبوع .. ويسمح له بالعودة إلى أهاليهم في نهاية الأسبوع .. وكانت الحافلات تحملهم إلى هناك فقط للزيارة والعودة.

كانت ظروف العمال صعبة للغاية ..كانوا يشعرون بالضيم .. لم يكن يبالي بهم أحد .. يعملون طويلا والمقابل ضئيل جدا .. الأكل والماء محدود، عبودية.

كان الشاعر عبدالرحمن المنصور يكتب آنذاك (أنعيش والمحراث والفأس الثليم .. والأرض نزرعها ويحصدها الغريم .. وكآبة خرساء تقضمنا على مر السنين..).

كان العمال في البداية يتمثلون مقولة مكسيم غوركي: "البطن الجائع لا يعرف إلا لغة الرغيف" .. لكن توقفوا عن ذلك لاحقا .. وكتب أحدهم ذات يوم:"رغيف العيش يوفر رغيف الفكر .. لكن رغيف الفكر يوفر لقمة العيش التي تشبعك ..".

ولأن الناس كإبل المائة .. والجرس لابد أن ينقره أحد، قرر مجموعة من المناضلين الأحرار .. أن يبدأوها .. توقفوا عن لعن الظلام .. وبدأوا بإشعال الشموع .. كان ذلك عام 1953م، أنشأوا لجنة العمال ..

اجتمع العمال وانتخبوا لجنة تتحدث باسمهم .. وتطالب بحقوقهم .. وتمنعهم من توحش حالب النفط .. تتكون اللجنة من: "عبدالعزيز السنيد، صالح الزيد، عبدالرحمن البهيجان، عمر وزنه، عبدالعزيز صفيان، عبدالله الغانم، وإبراهيم فرج".

كان هناك ناشطون آخرون سيدخلون على الخط في حديثنا .. لم يكونوا ضمن اللجنة .. لكنهم صاروا مع رفاقهم في الطريق..عين على الحقوق وعين على الوطن.

انتخب عبدالعزيز السنيد رئيسا للجنة، وأعلن العمال إضرابهم عام 1953، احتجاجا على أوضاعهم المزرية ومطالبين بالتصحيح والتفاوض مع اللجنة.

أخذ الموضوع بشكل جدي، شكلت لجنة حكومية من ضمنها مندوب من إمارة المنطقة ولجنة من شركة أرامكو للاجتماع بلجنة العمال والنظر في مطالبهم.

وهنا لابد أن يعرف من يعمل بأرامكو الآن .. ويستمتع بامتيازات السكن والرواتب العالية والبدلات والمخصصات المجزية ..أن هذا ثمرة جهود رجال منسيين.

حين قدمت اللجنة مطالبهم..وكادت أن تقنع الحكومة،، لم يرق ذلك للأمريكان المسؤولين في شركة الزيت، وظنوا أن العمال حين يطالبون بالحقوق إنما يبتزونهم.

لم تتوقف أرامكو عند الرفض..بل بدأت باستفزاز العمال والوشاية بينهم وبين الحكومة .. وأوحت إلى المسؤولين أن هؤلاء مطالبهم سياسية أكثر مما يُظهرون.

بدأ يتشكل الوعي في صفوف العمال .. وانتشرت المنشورات .. وكانت كلها تصب في مطالبات حقوقية صرفه .. لكنها فهمت بطريقة أخرى .. وكان "القمع"..

وجعلت أرامكو لجنة العمال "خصمها" .. وبدأت تكيد لها .. وبدأت تلتصق تهمة التخريب والفساد بها .. "تهمة سياسية"..

حاول مندوبو لجنة العمال ذات يوم أن يدخلوا على ممثل شركة آرامكو وإمارة المنطقة الشرقية "العطيشان"، فأغلق الباب وقال لهم: "لجنتكم في اذنبي".

كان لدى اللجنة حدس بأنهم سيعتقلون.. وكل المؤشرات تشير إلى ذلك .. فأوصت الزملاء بمواصلة الإضراب حتى يفرج عنهم ..

عبدالله هاشم .. ينقل الخبر للرفاق: (لقد توعدنا العطيشان وألصقت أرامكو تهمة الشيوعية بالعمال) .. وأطبق الحرس الوطني على بيركسات العمال ..

كان الجيش الوطني يسمى الجيش الحافي .. وانتشروا مدججين بالسلاح في كل مكان .. توجهوا لإرغام العمال على فك الإضراب ..

كان عبدالرحمن البهيجان .. وناصر السعيد نشيطين جدا ،، وكان البهيجان شاب صغير .. (سأتحدث عنه لاحقا) .. لكنه كان متحمس ويغلي من تصرفات آرامكو.

استمر إضراب العمال ما يقارب 21 يوما .. وحين كان الأمريكان يتجولون في الظهران في الإجازة ويعودون .. كان العمال يرشقونهم بالحجارة ..

وكان الشرطة يطرقون على العمال الأبواب.. يأمرونهم بالعمل .. فيرفضون .. فزج بعشرات منهم في سجن الظهران حتى امتلأ.. واستخدمت أماكن أخرى لسجنهم.

كان العمال يوصي بعضهم بعضا .. مواصلة الإضراب .. (لا رجوع .. إلى الأمام).

كان الجميل في كل الإضراب .. هو روح المواطنة والإخاء .. لم يكن أحد يسأل أحدا عن مذهبه ولا فكره ولا إيمانه .. كان يسأله فقط: هل أنت محروم مثلي!

على غرار "خرج ولم يعد"، في يوم الخميس 15 أكتوبر 1953..استدعيت لجنة العمال للتفاوض مع اللجنة الحكومية "مقرها الظهران".. فذهبوا ولم يعودوا.

اقتيد بعض العمال إلى سجن العبيد..وانتشر خبر الاعتقالات..وأوصى العمال بعضهم بالعودة إلى أهاليهم ومواصلة الإضراب .. وكان لهذا الإضراب صدى كبير.

نشرت خبر الإضراب إذاعة لندن وباريس وروما.. واصل بعض الأعمال اعتراضاتهم برمي سيارات الأمريكان بالحجارة .. وفرضت حراسات مشددة.

كان لدى العمال على قلة الحيلة .. إرادة فولاذية .. وقرر الكثير منهم عدم العودة للعمل حتى يطلق أعضاء اللجنة من المعتقلات .. وحدث لهم ما أرادوا.

وبالفعل .. استجابات الدولة لمطالب العمال .. وفي نوفمبر 1953 .. أطلقت سراح المعتقلين .. لينتهي موضوع الإضراب الذي شل عمل أرامكو ..

نُفي أعضاء اللجنة كل إلى مسقط رأسه..صالح الزيد والصفيان إلى الأحساء..البهجيان إلى عنيزه ..إبراهيم الفرح إلى الحجاز.. السعيد اختفى في الشرقية.

انتهت المقدمة .. سأعود للحديث عن الشخصيات نفسها التي كانت تغني (نحن حبات البذار .. نحن إذ نحيا فمن أجل الربيع .. وإذا متنا فمن أجل الربيع)...(يتبع)..


تم غلق التعليقات على هذا الخبر